الإفخارستيا سر الأسرار كما أن الفصح هو عيد الأعياد
إذا ما كان لجماعة المسيحيين مبدأ أساسي هو الإيمان بالسر والعيش به، وإذا ما كانت الأسرار وجوهًا لسر الله الآخذ صورة البشر ليرفعهم إلى صورته الإلهية، فإنّ الإفخارستيا هي "سر الأسرار"، إذ لا تدخل في سلسلة الصلوات الفرضيّة بل تتوّجها، تمامًا كما لا يدخل الفصح في حلقة الأعياد، حتى السيّدية الكبرى منها، بل هو كما تسميه الكنيسة في صلواتها "عيد الأعياد و موسم المواسم" (الأوذية الثامنة من قانون الفصح).
ولا عجب فثمة ارتباط جوهري بين الفصح والإفخارستيا، لأن هذه هي المكان الأسراري (Lieu Sacramental) حيث يتمدّد الحدث الفصحي في الكنيسة ليصبح كنيسة. ولم يسمِّ القديس غريغوريوس النزينزي (القرن الرابع) الإفخارستيا "ذبيحة القيامة"، ولم يسمِّها نيقولاوس كاباسيلاس (القرن الرابع عشر) "إيقونة تدبير المخلص"، إلا لأن ميستاغوجية الليترجيا الإفخارستية المكثّفة وميستاغوجية السنة الطقسية تتلاقيان في خطوطهما الكبرى الثلاثة:
- خدمة الكلمة تقابل الظهور الإلهي (الميلاد والعماد والتبشير).
- خدمة الأنافورا تقابل الفصح (الآلام والموت والقيامة).
- خدمة المناولة تقابل العنصرة، أي التأليه (Théosis) . (1)
إن الإفخارستيا تدخل البشرية في سر المسيح الفصحي، جاعلةً من كل مسيحي إنسانًا فصحيًا، أي مشاركًا في آلام السيد وموته (2) وقيامته (3)، وشاهدًا للروح القدس، بل حاملاً إياه في هذا العالم (4). وهكذا، فإن الكنيسة بإقامتها الإفخارستيا، تصبح وجودًا فصحيًا دائمًا للمسيح الرب في العالم.
الإفخارستيا تحقيـق ســري للتجســد والفداء
إن موضوع الإفخارستيا وغايتها هما السيد المسيح. فالإفخارستيا، إذًا، هي خلاصة العهد الجديد. يخبرنا سفر أعمال الرسل أن المؤمنين كانوا يجتمعون ليسمعوا الكرازة ويكسروا الخبز (أعمال 2، 42؛ 20، 7؛ 27، 35).
أما الكرازة فهي المسيح - الكلمة النافذ إلى الأذهان (أعمال 2، 22 - 24؛ 32، 34).
وأما الخبز فهو المسيح - غذاء المؤمنين (يوحنا 6، 32...؛ متى 26، 26...؛ مرقس 14، 22...، لوقا 22، 14...؛ 1 كورنثس 10، 16؛ 11، 23).
وتعبرالليترجيا الإلهية عن هذا الواقع، رمزيًا، بكتاب الإنجيل (أي البشرى الحسنة أو الكلمة) الذي يتوسط المائدة المقدسة، في القسم الأول من القداس، ويكون محور صلواته واحتفالاته؛ وبإبداله بالصينية والكأس، حاملَي الجسد والدم، يصبحان هما المحور في القسم الثاني من القداس.
وكأني بالكنيسة تحقق رمزيًا سر الخلاص، موضوع الكتاب المقدس في عهديه، وعدًا في القديم يضحي واقعًا في الجديد: "الكلمة صار جسدًا وسكن في ما بيننا، وقد شاهدنا مجده..." (يوحنا 1، 14)، هذا السر الذي أنعم به الله علينا بدافع محبته المجانية لنا: "هكذا أحب الله العالم، حتى إنه بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية" (يوحنا 3، 16)، والحياة هذه هي هبة الثالوث القدوس العظمى للبشرية... لذلك نهتف، في ختام القداس، بعد تمام هذا التحقيق فينا: "لقد نظرنا النور الحقيقي وأخذنا الروح السماوي ووجدنا الإيمان الحق، فلنسجد للثالوث غير المنفصل لأنه خلصنا". وتأتي هذه الترنيمة كشهقة عميقة بعد فرحة اللقاء ونشوة الاتحاد وانشراحة التمتع بالحضور الإلهي الحقيقي.
لذلك نقول إن الليترجيا الإلهية هي الذكرى المظهرة (anamnèse épiphanique) التي تعلن حدث الخلاص وتظهره سريًا وتؤوِّنه (actualiser) ليصير حاضرًا نعيشه: "الآن قوات السماوات تخدم معنا على حال غير منظور... فهوذا ملك المجد مقبل. هذه ذبيحة سرية مكملة تمر في موكبها، فلنتقدم بإيمان وشوق لنصير شركاء في الحياة الأبدية" (نشيد الدورة الكبرى في رتبة الأقداس السابق تقديسها).
الإفخارستيا تـذوق ســــابق للملكــــوت
نعيش في القداس، بنوع خاص ونحن بعد على الأرض، ليترجية السماء، حيث ربوات الملائكة ترفع الحمد والتسبيح للثالوث القدوس المتساوي في الجوهر هاتفة: "قدوس، قدوس، قدوس، رب الصبؤوت. السماء والأرض مملوءتان من مجدك" (أشعيا 6، 3). نشيد السماء هذا نسمع صداه يتردد في قلب الكنيسة، وقد أضفنا إليه نشيد الأرض وهي تستقبل ملكها الآتي إلى أورشليم ليخلصها: "هوشعنا في الأعالي! مبارك الآتي باسم الرب. هوشعنا في الأعالي" (يوحنا 12، 13).
الليترجيا الإلهية تحملنا إلى السماء، إذ تفتح أمامنا البعد الإسخاتولوجي، فتجعلنا نتذوق مسبّقًا "ليترجية السماء، المحتفل بها في أورشليم الجديدة والتي نتوق إليها كمسافرين" (5)، وهي أيضًا تحمل السماء إلينا وتدخلها في حياتنا اليومية. فالكنيسة، أي الجماعة الإفخارستية، هي موضع الولادة الجديدة بالروح القدس، الولادة التي منحنا إياها السيد المسيح بسر موته وقيامته. الكنيسة هي جماعة الإنجيل والإفخارستيا. إنها جسد المسيح ومكان العنصرة، حيث يحل الروح القدس ويحوِّل الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه، كما يحوِّل المؤمنين إلى مسحاء آخرين، ويحوِّل الخليقة كلها إلى هيكل لله الحي، يتردد في حناياه نشيد الحمد والشكر والتمجيد، "إذ إن الخليقة كلها تئن وتتمخض بانتظار الفداء" (روما 8، 22).
وهكذا تصبح الأرض سماء، وتصبح الحياة، في النظرة المسيحية، ليترجيا إلهية كونية شاملة.
الإفخارستيا منطـلق الحياة الجديــدة
خلق الله الإنسان ليشاركه في حبه المجاني. وإذا كان الإنسان قد تعثر في مسيرة الحب هذه، فإن الله بقي وفيًا وأمينًا فيعهده حتى الصليب والموت، اللذين حولهما بقدرته إلى قيامة وحياة جديدة.
إن الإفخارستيا احتفال بهذا السر. واشتراكنا فيها يعني قبولنا أن يجددنا الله ويغيّر حياتنا. فنعبر، مع المسيح القائم، إلى الحياة الجديدة، شاكرين له تدبيره الخلاصي (6).
إن الروح، الذي يجمع المحتفلين، يجعل منهم كنيسة (جماعة) منفتحة على محبة الله ومحبة الآخرين، ويحولهم إلى شركة (Koinonoia) تبدأ الآن على الأرض، وتكتمل في الملكوت السماوي. فالإفخارستيا، إذًا، هي رمز الانتماء إلى المسيح القائم، ورباط وحدة الجماعة التي ترغب في تغيير وجه العالم، وتلتزم تهيئةَ اليوم الذي تستقبل فيه البشرية المسيح الممجد في المجيء الثاني (البعد الإسخاتولوجي)، وتهتف، مع جميع المخلَّصين: "طوبى للمدعوين إلى وليمة عرس الحمل" (رؤيا 9، 19).
من مـائــدة الإفخارستيا إلى مائــدة الفقــير
هذه الأبعاد الأساسية التي نعيشها في الاحتفال الإفخارستي يحملها المسيحي في عمق حياته، فتنعكس على علاقته اليومية في بيئته: في البيت مع الأسرة، وفي الحي والمدرسة والجامعة والمهنة... مع أترابه وزملائه، ومع مرؤوسيه ورؤسائه... ومع كل من يلتقيه. فالمؤمن يخرج من الكنيسة مزودًا بالنعمة، فيكون نهاره كاملاً ومقدسًا، يرشده ملاك سلام، ليقضي حياته شاهدًا أمينًا ورسولاً غيورًا للإنجيل، ويحيا حياة مسيحية سلامية، تعدّه للوقوف، بلا عيب، لدى منبر المسيح الرهيب حيث يؤدي الحساب عن الوزنات التي أؤتمن عليها (متى 25، 14 - 30). (7)
فالإفخارستيا لا تنتهي في الكنيسة، عند انصراف المؤمنين. بل تبدأ إذ ذاك. فعندما يتحد المؤمن بجسد المسيح ودمه، وينال روح الرب، ينطلق مبشّرًا ومحررًا ومنيرًا (لوقا 4، 18 - 19). هذا ما أكّده الرسل في كتاباتهم: "إن الديانة الطاهرة الزكية في نظر الله هي افتقاد اليتامى والأرامل في ضيقهم" (يعقوب 1، 27)، وهذا ما علّمه آباء الكنيسة القديسون. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم (القرن الرابع) بهذا الصدد: "سر القربان هو سر الأخ. والدينونة ستكون على مدى ربطنا بين سر المسيح الحاضر في القربان المقدس وسره الحاضر في إخوته البشر" (متى 25، 31 - 46) . (8)
ويضيف نرساي السرياني (القرن الخامس): "القداسة من غير أخيك الإنسان ليست قداسة. إذ لا يمكنك أن تدخل الملكوت وحدك".
ونختم، أخيرًا، بالسؤال الذي طرحه الذهبي الفم: "ماذا ينفع تزيين مائدة المسيح بأواني ذهبية، إذا كان المسيح يموت جوعًا في أخيه الجائع؟ (9) كيف تحترم المذبح الذي ينزل عليه جسد المسيح، وتبقى غير مبالٍ بالمسيح نفسه، المتجسد في أخيك الإنسان الذي في الضيق، والذي يهلك جوعـًا؟ إن هذا الهيكل لأكثر إجلالاً من ذاك" (10).
الهوامش
1) الأب جان كوربون، السنة الطقسية البيزنطية، هيكلية وميستاغوجية، "السنة الطقسية"، منشورات قسم الليترجيا في جامعة الروح القدس، 10، الكسليك، 1988، ص100 و 105.
2) إشارة إلى الجزء الأول من صلاة التقدمة (الأنافورا) حيث نذكر "ابن الله الذي أتى ليكمّل تدبير عناية الآب بشأننا"، ونستفيض، بنوع خاص، في موضوع العشاء الفصحيّ: "في الليلة التي أُسلم فيها (الربّ للموت)...". وهذا يذكّرنا بآلام السيد المسيح وموته.
3) إشارة إلى الجزء الثاني من الأنافورا، إذ نذكر سرّ المسيح: " الصلب والقبر والقيامة والصعود.."، يليها "استدعاء الروح القدس".
4) إشارة إلى المناولة، حيث ننال الرب، في جسده ودمه المقدسين، كما نال الرسل الروح القدس في حدث العنصرة، فتحوّلوا إلى شهود يكرزون بيسوع القائم، ويكسرون الخبز مع المؤمنين، ويبشرون العالم بالحياة والفداء.
5) المجمع الفاتيكاني الثاني، دستور عقائدي في الليترجيا المقدسة، 8.
6) " العبور" كلمة مرادفة للفصح التي هي من أصل عبري "فسح"، وتعني "فشخ فشخة"، أي عَبَرَ... "إفخارستيا" كلمة يونانية معناها "الشكر".
7) راجع طلبة السؤالات (الإيتيسيس) في القداس الإلهي البيزنطي.
8) يوحنا الذهبي الفم، العظة الخمسون في إنجيل متى.
9) الجوع، هنا يمكن أن يكون مادياً، أي الجوع إلى الخبز. ويمكن أن يكون معنويًا، أي الجوع إلى العزاء والنصيحة والمودّة والصداقة، أو جوعًا روحيـًا إلى التوبة والمعرفة...
10) يوحنا الذهبي الفم، العظة العشرون في الرسالة الثانية إلى الكورنثيين.