أخبار الكنيسة

عن موقع  Zenit.org

 

الأحد 25 تشرين الأول /أكتوبر 2009

وثائق
عظة البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير

أخبار
"العولمة هي واقع بشري، ومن هذا المنطلق يمكن تغيرها بحسب التركيبة الثقافية المحلية"
البابا يعلن تسليم وثيقة عمل السينودس الخاص بالشرق الأوسط خلال زيارته قبرص عام 2010

عظات البابا
عظة بندكتس السادس عشر في ختام سينودس الأساقفة الخاص بإفريقيا


 

وثائق

عظة البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير

بكركي، الأحد 25 أكتوبر 2009 (Zenit.org). – ننشر في ما يلي العظة التي تلاها البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير أثناء القداس الاحتفالي الذي ترأسه في كنيسة السيدة في الصرح البطريركي في بكركي.

* * *


ليل الناصرة

 

ان النجّار يسوع، ابن يوسف ومريم، كان يسكن، تحت حكم طيباريوس قيصر ، قرية الناصرة التي لم يذكرها أي تاريخ والتي لا تأتي على ذكرها الكتب: وكانت تحتوي على بعض بيوت محفورة في صخرة التلّ، أمام سهل عسقلون. ولا تزال بقايا هذه المغاور قائمة. وقد خبّأت احداها هذا الطفل ، هذا الولد اليافع، هذا الرجل، الذي نشأ بين رجل عامل، والعذراء. وعاش في ذاك المكان ثلاثين سنة، ليس في صمت العبادة والمحبة: ظلّ يسوع في وسط عشيرته بين الأقاويل، والحسد، والمآسي الصغيرة التي كان محورها سلسلة الأقارب العديدين، والجليليين الأتقياء ، أعداء الرومان وهيرودس، والذين، بانتظار انتصار اسرائيل، كانوا يصعدون في مناسبة الأعياد الى القدس.
وكان هناك، منذ ابتداء حياته الخفية، اولئك الذين كانوا، يوم اجترح عجائبه الأولى، يقولون انّ به مسّا، ويريدون القاء القبض عليه. وان الانجيل يعطينا أسماءهم وهم: يعقوب، ويوسف، وسمعان، ويهوذا...والى أي حدّ كان يشابه جميع الأولاد الذين هم في سنّه، ان شكّ الناصريين يدلّ على ذلك ، عندما وعظ لأول مرّة في مجمعهم. ولم يصدّقوه وراحوا يقولون: "أفليس هو ابن النجّار ، ابن مريم؟ أوليس أخوته (أي أبناء عمه) هم فيما بيننا؟ " هكذا كان أبناء الجيران يتحدّثون عنه الذي رأوه يكبر ، أو الذين لعب معهم، والذين لا يزال ينفّذ أوامرهم: انه النجّار ، أو أحد النجّارين أو الثلاثة في القرية.
ومع ذلك، كسائر محلات النجارة في العالم ، ان هذا المحل في أحدى الساعات أصبح مظلما فأقفل بابه ونوافذه التي كانت تعطي على الشارع. وكان هؤلاء الثلاثة في الغرفة وحدهم يجلسون حول طاولة كان موضوعا عليها بعض الخبز.فالرجل اسمه يوسف، والمرأة اسمها مريم، والولد اسمه يسوع. ولاحقا، بعد أن غادر يوسف هذا العالم، ظلّ الآبن وامه أحدهما تجاه الآخر ينتظران.
ماذا عساهما كانا يقولان؟ "وكانت مريم تحفظ كل هذه الأشياء وتستعيدها في قلبها. وهذا النص هو من لوقا ، والثاني من الأنجيلي عينه. وكانت أمّه تحفظ كل هذه الأشياء في قلبها...." لا يبرهنان فقط أنه تقبّل من مريم كل ما كان يعرف عن طفولة المسيح. فهما ينفذان بخط من نار ظلمة هذه الحياة القائمة بين ثلاثة ، ثم بين اثنين، في حانوت النجّار.لا شك في أن المرأة لا يمكنها أن تنسى شيئا من السرّ الذي تمّ في جسدها ، ولكن مع مرّ السنين، التي حجبته دون أن تتحقق المواعيد التي أعلن عنها الملاك ، كان هناك من حوّل عنه تفكيرها لأن النبؤات كانت مبهمة ومخيفة.
قال جبرائيل " هوذا أنت تحبلين وتلدين ابنا وتدعينه يسوع . ويكون كبيرا ، ويدعى ابن العليّ وسيعطيه الرب الأله عرش داود أبيه. وسيملك الى الأبد على بيت يعقوب، ولن يكون لملكه انقضاء.
واذا بالولد قد أصبح يافعا ، شابا، رجلا، وذاك الجليلي المنكب على منضدة العمل. لم يكن كبيرا؛ لم يكن ليدعى ابن العليّ ، ولم يكن له عرش، ولكن مقعد خشبي صغير، قرب النار في مطبخ صغير، حقير. واليكم شهادة لوقا: وكانت مريم تحفظ هذه الأشياء وتستعيدها في قلبها .
كانت تحفظها في قلبها، دون أن تبوح بها حتى أمام ابنها ربما... ولم يكن هناك من حديث بينهما غير ممكن. وكانا يلفظان بالأرامية العادية كلمات الناس العاديين ، الكلمات التي تدلّ على الأشياء العادية ، مثل الأدوات، والطعام، ولم يكن هناك كلمات تدلّ على ما تمّ في هذه المرأة. وكانت العائلة تتأمّل في السرّ في سكوت. وان التأمّل في الأسرار قد ا بتدأ هناك، في ظل الناصرة حيث كان الثالوث يتنفّس.
على العين، في المغسل، من كانت العذراء تحمله على الظنّ أنها عذراء ، وأنها ولدت المسيح؟ ولكنها، لدى قيامها بهذه الأشغال، ما من شيء كان يحوّلها عن أن تستعرض في قلبها كنزها: سلام الملاك ، والكلمات التي فاه بها لأول مرّة: " السلام عليك، ياممتلئة نعمة الرب معك، مباركة أنت في النساء، وهذه ستتكرّر مليارات المرات الى أبد الآبدبن... وهذا، ان مريم الوضيعة كانت تعرفه ، هي التي كانت فريسة الروح القدس، قد تنبأت يوما أمام نسيبتها اليصابات:" ستطوّبني جميع الأجيال! "
بعد مضي عشرين سنة، ثلاثين سنة، هل كانت امّ النجار تعتقد أن الأجيال المقبلة ستطوّبها؟ وكانت تتذكّر الوقت الذي كانت فيه حبلى، وذاك السفر في البلدان الجبلية، في مدينة تدعى يهوذا. ودخلت بيت الكاهن زكريّا، الذي كان أخرس، وزوجته اليصابات.والولد الذي كانت هذه المرأة العجوز تحمله في أحشائها قد ارتجف فرحا، وهتفت اليصابات:" مباركة أنت في النساء"..."
بعد عشرين سنة، ثلاثين سنة، هل كانت مريم تعتقد أنها مباركة بين جميع النساء؟ ولم يحدُُُث شيئا، وماذا يمكنه أن يحدث لهذا العامل المتعب، لهذا اليهودي الذي لم يعد شابا ، والذي لا يعرف غير أن يصقل الألواح ويتأمّل في الكتاب المقدس، ويطيع ويصلّي؟
ان شاهدا واحدا بقي من بين الذين شهدوا ظهور الله منذ البدء، في ذاك الليل المبارك؟ أين كان الرعاة واؤلئك الرجا ل العلماء الخبراء بقضايا النجوم الآتون من وراء البحار ليعبدوا الصبي ؟ ان كل تاريخ هذا العالم بدا كأنه يخضع لأحكام الله الأبدي. واذا كان قيصر أمر بتعداد سكان الأمبراطورية والأراضي الخاضعة له كفلسطين في أيام هيرودس ، كان ذلك لكي يسير زوجان على الطريق التي تذهب من الناصرة الى القدس وبيت لحم ولأن ميخا كان قد تنبأ :" أنت يا بيت لحم افراتا، صغيرة في منزلتك بين أسباط يهوذا، منك سيولد ملك اسرائيل...".
وأمّ هذا العامل النجّار، التي أثقلتها الشيخوخة ، كانت تبحث في الظلام الحالك عن الملائكة الذين بعد أيام البشارة لم يفتأوا يملأون حياتها. وكانوا هم الذين، طوال ليلة الميلاد المقدسة، قد دلّوا الرعاة على طريق المغارة، ومن أعماق هذه الظلمات عينها، حيث كانت المحبة ( أي الطفل يسوع) ترتجف من البرد في مزود ، وعدوا الناس ذوي الأرادة الصالحة بالسلام على الأرض . وكان ملاك أيضا أمر يوسف في الحلم أن يأخذ الصبيّ وأمّه ويهرب بهما الى مصر من غضب هيرودس. ... غير أنه بعد العودة الى الناصرة ، انغلقت السماء، وغاب الملائكة.
وكان يجب أن يترك ابن الله يختفي في عمق في جسد انسان. ومن سنة الى سنة، كان على أمّ النجارأن تظنّ أنها قد حلمت، لو لم تكن دائما في حضرة الآب والآبن ، وهي تستعيد مرّة ومّرتين في قلبها ما تمّ من شؤون.
الشيخ سمعان.
وكانت ربما تبذل جهدها لتحيد بفكرها عن أمر واحد من هذه الأحداث .كانت هناك كلمة لفظت في الهيكل كانت ربما في بعض الأحيان تواجه تجربة نسيانها. وفي اليوم الأربعين بعد ولادة الصبي ، عادا الى القدس لتذهب مريم لتتطهّر وتقدّم للرب هذا الولد الذكر الذي كان يخصّها كسائر اول المولودين وكان يجب أن يفتدوا بزوجي يمام. واذا بشيخ يدعى سمعان يأخذ الولد بيديه . وطار فرحا فجأة بالروح القدس وقال: ليتركه الرب يذهب بسلام لأن عينيه رأتا الخلاص، النور الذي ينير الأمم، مجد اسرائيل... ولكن لماذا أستدار هذا الشيخ والتفت الى مريم فجأة ؟ لماذ تنبّأ :" أمّا أنت فسيجوز سيف في نفسك" ؟
وهذه العبارة لم تتركها أبدا.: هذه العبارة، هذا السيف. دخلت فيها في تلك الساعة، وظلّت منغرسة فيه. لأنها كانت تعرف أنها لا يمكن أن تطال الاّ من خلآل ابنها، وأن كل ألم وكل فرح لا يأتيانها الاّ منه. ولذلك أن كل ما يستمر في مريم من ضعف بشري ربما كان مدعاة فرح لأن السنوات تمرّ دون أن تتبدّد ظلمة بيتهم الحقيروحياتهم الفقيرة. ولعلّها كانت تحلم بأنه ليس مطلوبا أكثر من هذا لحضور الذي يجهله العالم لخلاصه ،أكثر من هذا التكفين المجهول لاله في الجسد ، ولم يكن لها ما تخشاه غير سيف الألم من البقاء وحدها، بين الخلائق، شاهدة لهذا الحب الكبير.
2- الصبي بين العلماْء
وكانت حياة يسوع عادية، وشبيهة بحياة سائر الناس، بحيث ان لوقا فاخر في مستهلّ انجيله "بأنه اضطلع على كل شيء منذ الأصل" ولم يجد شيئا ينقله عن صبوّة المسيح سوى هذه الحادثة ، وهي أنه لدى ذهابهم الى القدس مع والديه، وكان الصبي لا يجاوز الثنتي عشرة سنة في مناسبة عيد الفصح: وعندما عادت مريم ويوسف الى الناصرة ،كان الصبي قد تركهما. فظنّا لأول وهلة أنه بقي مع الأقارب والمعارف وسارا من دونه طوال النهار. ثم أستبد بهما القلق. وبعد أن بحثا عنه دون جدوى طوال النهار لدى هذه أو تلك المجموعة، فعادا، قلقين جدّا، على أدراجهما. وظنّا، على مدى ثلا ثة أيام، أنهما فقداه، ودخلا القدس.
وعندما اكتشفاه أخيرا في الهيكل ، جالسا بين العلماء الذين سرّوا بكلامه ، فلم يفكّرا بمقاسمتهم العجب ووجهت اليه أمّه ، ربما لأول مرّة، تأنيبا بقولها له:" يا ابني ، لمذا فعلت معنا هكـذا ؟ لقد كنا نبحث عنك أنا وابوك معذّبين؟
ولأول مرّة، ، ان يسوع لم يجب كما كان يجب أن يجيب أي ولد آخر. ولم يجب بلهجة تلميذ المدرسة العادي. دون وقاحة، ولكن كما لو لم يكن له عمر، كما لو كان فوق عمره سألهما بدوره:
لماذا تطلبانني ؟ ألا تعرفان أنه ينبغي لي أن أكون في ما خصّ أبي ؟
كانا يعرفان ذلك ، دون أن يعرفا. وشهادة لوقا قاطعة: لم يفهم الوالدان ما قاله لهما الصبي ومريم، أمّ كسائر الأمّهات، تأكلتها الهموم، والهواجس... وأي أمّ تتدخل بسهولة في سرّ دعوة ؟ وأي أمّ في بعض الساعات، لا تجزع أمام هذا الكائن الذي يكبر والذي يعرف إلى أين يريد أن يذهب ؟ ، لكن هذه الأم المختارة ، المستنيرة منذ البدء، كانت تحفظ في قلبها ما لم تكن تلك المرأة البسيطة تفهمه . ومع ذلك، ان كلمات هذا الولد بدت لها قاسية. ان ابنها يسوع وجّه اليها عبارات عذبة، قبل الكلمات الاخيرة التي فاه بها على الصليب.
أيها الأخوة والأبناء الأعزّاء،
منذ أيام ووسائل الأعلام تتناقل موضوع تعيين موظّفين في بلدية بيروت ، وقد تعاقب على التصريح أشخاص ومسؤولون من فئة واحدة، فاننا نلفت نظر المعنيين الى أن أي تعيين لا يراعي التوازن الوطني سيكون له أثر سلبي على المواطنين.

 

عودة الى أعلى الصفحة


أخبار

"العولمة هي واقع بشري، ومن هذا المنطلق يمكن تغيرها بحسب التركيبة الثقافية المحلية"

بقلم روبير شعيب

الفاتيكان، الأحد 25 أكتوبر 2009 (Zenit.org). – احتفل البابا بندكتس السادس عشر اليوم الأحد بقداس إلهي ختم فيه الجمعية الثانية الخاصة بإفريقيا لسينودس الأساقفة، والتي استمرت اجتماعاتها لمدة ثلاثة أسابيع في الفاتيكان.

انطلق البابا في عظته من رسالة الرجاء التي يوجهها سفر الخروج "لقد نظرت إلى بؤس شعبي... سمعت صراخه... أعرف آلامه. وأتيت لأحرره، لأخرجه نحو أرض جميلة وشاسعة، نحو أرض تدر لبنًا وعسلاً" (خر 3، 7 – 8)، مشيرًا إلى أن هذه الكلمات تتوجه اليوم إلى الكنيسة في إفريقيا.

وقال أسقف روما: "إن مشروع الله لا يتبدل. عبر العصور وعبر تحولات التاريخ، يشير مشروع الله دومًا إلى الهدف عينه: إلى ملكوت الحرية والسلام للجميع"، شارحًا أن هذا يعني "الخيار التفضيلي لمن هو محروم من الحرية ومن السلام، لمن انتُهكت كرامته البشرية" مشيرًا إلى الإخوة والأخوات في إفريقيا الذين يعانون من الفقر، والأمراض، والظلم، والحروب، والعنف، والهجرة المفروضة فرضًا.

ثم انتقل إلى التعليق على إنجيل اليوم الذي يتحدث عن أعمى أريحا فقال: "إن برطيماوس الذي نال الشفاء فتبع يسوع في الطريق، هو صورة البشرية المستنيرة بالإيمان والتي تسير نحو أرض الميعاد. يضحي برطيماوس بدوره شاهدًا للنور، ويخبر مبينًا أنه شفي، وتجدد، وولد من جديد".

وبالتعليق على مجريات السينودس، صرح البابا أن الخبرة السينودسية تحمل إلى التعمق بالقناعة بأنه لا بد من عيش تعليم الكنيسة الاجتماعي في حقل العولمة، هذا التعليم الذي يشدد على مبدأ التعاضد، والمساواة في استخدام خيرات الأرض.

وقال الأب الأقدس في هذا الصدد: "إن النظرة التي تبنتها الكنيسة دومًا في عقيدتها الاجتماعية بشأن الإنسان والمجتمع باتت الآن أمرًا تتطلبه العولمة أيضًا" وأضاف: "هذه الأخيرة، لا يجب فهمها كواقع حتمي كما ولو كانت دينامياتها وليدة عوامل مجهولة غير شخصانية ومستقلة عن الإرادة البشرية".

ثم تابع الحديث عن العولمة فقال: "العولمة هي واقع بشري، ومن هذا المنطلق يمكن تغيرها بحسب التركيبة الثقافية المحلية. والكنيسة تعمل انطلاقًا من مفهومها الشخصاني والجماعي لكي توجه ظاهرة العولمة من منطلق علائقي، ومنطلق أخوة وشركة".

وبالعودة إلى الإنجيل علق البابا على هذه الكلمات –  "تشجع، وانهض!..." – فقال: "بهذا الشكل يتوجه رب الحياة والرجاء اليوم إلى الكنيسة وإلى الشعوب الإفريقية، في ختام هذه الأسابيع من التفكير السينودسي. انهضي، أيتها الكنيسة في إفريقيا، يا عائلة الله، وأصغي لدعوة الآب السماوي الذي كان أسلافك يدعونه كالخالق، قبل أن يتعرفوا على قربه الرحيم، الذي ظهر في ابنه الوحيد، يسوع المسيح. التزمي مسيرة تبشير جديد يتحلى بالشجاعة الآتية من الروح القدس".

وأشار إلى أن العمل التبشيري الطارئ الذي جرى الكلام عنه خلال السينودس "يتطلب دعوة ملحة للمصالحة، كشرط لا بد منه لإعادة العلاقات العادلة بين البشر في إفريقيا ولبناء سلام عادل ودائم يحترم كل شخص وكل الشعوب"، وأوضح أن هذا السلام يحتاج "لكل ذوي الإرادة الصالحة ولإسهامهم بغض النظر عن انتمائهم الديني، العرقي، اللغوي، الثقافي والاجتماعي".

وفي الختام دعا البابا الآباء السينودسيين إلى حمل نداء السينودس إلى شعوبهم بالقول: "بعودتكم إلى بيوتكم، يا رعاة كنيسة إفريقيا، احملوا بركتي إلى جماعاتكم. احملوا إلى الجميع النداء الذي تردد صداه غالبًا في السينودس: نداء المصالحة، العدالة والسلام".

 

عودة الى أعلى الصفحة


البابا يعلن تسليم وثيقة عمل السينودس الخاص بالشرق الأوسط خلال زيارته قبرص عام 2010

الفاتيكان، الأحد 25 أكتوبر 2009 (Zenit.org). – إذاعة الفاتيكان -  في ختام القداس الإلهي المهيب في بازيليك القديس بطرس مختتما السينودس الخاص بأساقفة القارة الأفريقية، تلا البابا بندكتس السادس عشر صلاة التبشير الملائكي من على رتاج البازيليك الفاتيكانية، وألقى كلمة قال فيها إن آباء السينودس الذي قدموا من جميع بلدان القارة الأفريقية قدموا غنى واقع الكنائس المحلية وتقاسمنا معهم أفراحهم حول نشاط الجماعات المسيحية التي تنمو بالعدد والنوعية. ونرفع الشكر لله على الاندفاع الرسولي الذي وجد أرضا خصبة في أبرشيات عديدة ويبان في إيفاد مرسلين إلى باقي البلدان الأفريقية والقارات الأخرى.

هذا وأشار الأب الأقدس إلى أهمية العائلة التي تشكل أيضا في أفريقيا الخلية الرئيسة للمجتمع، والتي تجد نفسها اليوم مهددة بتيارات إيديولوجية قادمة أيضا من الخارج. وما القول عن شباب معرضين لهذا النوع من الضغوط ومتأثرين بنماذج فكر وسلوك تتعارض والقيم الإنسانية والمسيحية للشعوب الأفريقية؟ ذكّر الأب الأقدس بأن السينودس تطرق للمشاكل الحالية في أفريقيا وحاجتها الكبيرة للمصالحة والعدالة والسلام. ولهذا بالذات، تجاوب الكنيسة مقترحة من جديد، وباندفاع متجدد، إعلان الإنجيل والرقي الإنساني.

ذكّر البابا بزيارته الرسولية إلى الكاميرون وأنغولا في آذار مارس الماضي وكان هدفها إطلاق تحضير السينودس الثاني الخاص بأفريقيا، وقال: أتوجه لكل الشعوب الأفريقية لاسيما التي تتقاسم الإيمان المسيحي، لأسلمها الرسالة الختامية للسينودس، وأضاف: أخوتي وأخواتي الأعزاء يا من تستمعون إلي من أفريقيا: أكل إليكم بنوع خاص ثمار أعمال آباء السينودس وأشجعكم بكلمات الرب يسوع: كونوا ملحا ونورا في الأرض الأفريقية الحبيبة!

كما ذكّر بندكتس السادس عشر بالسينودس الخاص بالشرق الأوسط العام القادم وقال إنه سيسلم وثيقة العمل خلال زيارته المرتقبة إلى قبرص. وبعد صلاة التبشير الملائكي، حيا الأب الأقدس آلاف المؤمنين المجتمعين في ساحة كاتدرائية ميلانو حيث جرى صباح اليوم الأحد احتفال تطويب الكاهن كارلو نيوكّي.

 

عودة الى أعلى الصفحة


عظات البابا

عظة بندكتس السادس عشر في ختام سينودس الأساقفة الخاص بإفريقيا

الفاتيكان، الأحد 25 أكتوبر 2009 (Zenit.org). – ننشر في ما يلي عظة قداسة البابا بندكتس السادس عشر خلال ترؤسه القداس الإلهي في البازيليك الفاتيكانية بمناسبة اختتام سينودس الأساقفة الثاني الخاص بإفريقيا.

* * *

الإخوة الأجلاء،

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء،

هوذا رسالة رجاء لإفريقيا: لقد سمعناها لتوّنا في كلمة الله. إنها الرسالة التي لا يتعب رب التاريخ من تكرارها على البشرية المضنكة والمنهوكة في كل زمان وكل مكان، منذ الزمن الذي كشف فيه الرب لموسى عن إرادته بشأن الإسرائيليين المستعبدين في مصر: "لقد نظرت إلى بؤس شعبي... سمعت صراخه... أعرف آلامه. وأتيت لأحرره، لأخرجه نحو أرض جميلة وشاسعة، نحو أرض تدر لبنًا وعسلاً" (خر 3، 7 – 8).

ما هي هذه الأرض؟ أليست ملكوت المصالحة، والعدالة والسلام التي دعيت إليها البشرية بأسرها؟ إن مشروع الله لا يتغيّر. وهو عينه الذي تنبأ عنه إرميا، في النبوءات الرائعة المعروفة باسم "كتاب التعزية"، والتي تُستمد منها القراءة الأولى اليوم. إنها بشرى رجاء لشعب إسرائيل الذي يعاني من غزو جيش نبوخذنصر، ومن دمار أورشليم والهيكل ومن النفي إلى بابل. إنها رسالة فرح لـ "بقية" أبناء يعقوب، تعلن مستقبلاً لهم، لأن الرب سيعيدهم إلى أرضهم، من خلال درب مستقيم وسهل. سيختبر الأشخاص الذين يحتاجون العون، مثل الأعمى والأعرج، والمرأة الحامل والمرأة التي تمر بالمخاض، سيختبرون جميعًا قوة وحنان الرب: هو أبٌ لإسرائيل، مستعد دومًا لكي يعتني  به وكأنه ابنه البكر" (راجع إر 31، 7 – 9).

إن مشروع الله لا يتبدل. عبر العصور وعبر تحولات التاريخ، يشير مشروع الله دومًا إلى الهدف عينه: إلى ملكوت الحرية والسلام للجميع. وهذا يعني الخيار التفضيلي لمن هو محروم من الحرية ومن السلام، لمن انتُهكت كرامته البشرية. نفكر بشكل خاص بإخوتنا وأخواتنا الذين يعانون في إفريقيا من الفقر، والأمراض، والظلم، والحروب، والعنف، والهجرة المفروضة فرضًا.

إن هؤلاء الأبناء المفضلين عند الآب السماء هم مثل أعمى الإنجيل، برطيماوس الذي "كان جالسًا على قارعة الطريق" (مر 10، 46)، على أبواب أريحا. ويسوع يمر في تلك الطريق بالذات. إنها الدرب التي تقود إلى أورشليم، حيث سيجري الفصح، ذبيحة فصحه، والتي يذهب المسيح فيها إلى ملاقاتنا. إنها درب خروجه ودربنا أيضًا: السبيل الوحيد الذي يقود إلى أرض المصالحة، والعدالة والسلام.

في تلك السبيل يلتقي الرب ببرطيماوس، الذي فقد البصر. ويلتقي درباهما، ويضحيان سبيلاً واحدًا. يصرخ الأعمى بثقة: "يسوع، يا ابن داود، ارحمني!". ويرد يسوع: "ادعوه!"، ويضيف: "ماذا تريد أن أفعل لك؟". الله نور وخالق النور. والإنسان هو ابن النور المخلوق لكي يرى النور، ولكنه فقد البصر، ويجد نفسه مضطرًا أن يستعطي. يمر الرب بقربه، وقد صار متسولاً لأجلنا: عطشانًا لإيماننا ولحبنا. "ماذا تريد أن أفعل لك؟". الله يعرف ولكنه يسأل؛ يريد أن يكون الإنسان هو المتكلم. يريد أن يقف الإنسان على قدميه، وأن يجد شجاعة أن يطلب ما يحق لكرامته.

يريد الآب أن يسمع من صوت الابن الحي الإرادة الحرة التي تريد أن ترى النور من جديد، ذلك النور الذي خلقه الله لأجله. "يا معلم، أن أبصر من جديد!". ويرد عليه يسوع: "اذهب، إن إيمانك خلصك. وفورًا، أبصر من جديد وتبعه في الطريق" (مر 10، 51 – 52).

أيها الإخوة الأعزاء، فلنرفع الشكر لأجل هذا "اللقاء السري بين فقرنا وعظمة" الله الذي تحقق في هذه الجمعية السينودسية من أجل إفريقيا والتي تختتم اليوم. لقد جدد الله دعوته: "تشدد وقم..." (مر 10، 49). وكذلك الكنيسة الموجودة في إفريقيا، من خلال رعاتها، الآتين من كل دول القارة، من مدغشقر والجزر الأخرى، تلقت رسالة الرجاء والنور لتسير في السبل التي تؤدي إلى ملكوت الله. "إذهب! إيمانك خلصك" (مر 10، 52). نعم، إن الإيمان بيسوع المسيح – عندما نفهمه بالعمق ونعيشه – يقود البشر والشعوب نحو حرية الحقيقة، أو، إذا ما أردنا استعمال كلمات موضوع السينودس، إلى المصالحة، العدالة والسلام. إن برطيماوس الذي نال الشفاء فتبع يسوع في الطريق، هو صورة البشرية المستنيرة بالإيمان والتي تسير نحو أرض الميعاد. يضحي برطيماوس بدوره شاهدًا للنور، ويخبر مبينًا أنه شفي، وتجدد، وولد من جديد.

هذه هي الكنيسة في العالم: جماعة أشخاص نالوا المصالحة، وباتوا فعلة عدالة وسلام؛ "ملح ونور" في وسط مجتمع البشر والأمم. ولهذا شدد السينودس بقوة، وبيّن أن الكنيسة هي عائلة الله، التي لا يمكن أن يكون فيها انقسام على أساس عرقي، لغوي، أو ثقافي. لقد بينت لنا الشهادات المؤثرة أنه الروح القدس يعمل ويحول قلوب الضحايا والمضطهدين، حتى في أسوأ لحظات التاريخ البشري، فيعترفوا أنهم إخوة. إن الكنيسة المصالَحَة هي خميرة مصالحة جبارة في الدول المفردة وفي كل القارة الإفريقية.

تقدم لنا القراءة الثانية وجهة نظر أخرى: تتمتع الكنيسة، الجماعة التي تتبع يسوع في درب الحب، بطابع كهنوتي. لقد كان مؤلف الرسالة إلى العبرانيين أول من أدخل في العهد الجديد تصنيف الكهنوت، كمفتاح تفسيري لسر المسيح، وبالتالي للكنيسة.

ينبع حدسه من المزمور 110، الذي يستشهد به المقطع الذي سمعناه اليوم، حيث يؤكد الرب الإله، بقسم رسمي للمسيح: "أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكصادق" (الآية 4). وهذا الاستشهاد يحمل إلى مرجع آخر من المزمور 2، الذي يعلن فيه المسيح حكم الرب القائل: "أنت ابني، أنا اليوم ولدتك" (الآية 7). من هذين النصين ينبع إسباغ الطبع الكهنوتي على يسوع المسيح، لا بشكل إجمالي، بل "على رتبة ملكصادق" أي الكهنوت الأسمة والأزلي، الذي ليس من أصل بشري بل إلهي. فإذا كان كل عظيم كهنة "مختار من بين الناس ومن أجلهم لكي يقوم بالأمور المتعلقة بالله" (عبر 5، 1)، وحده المسيح، ابن الله، يملك الكهنوت الذي يرتبط بشخصه، كهنوت فريد ومتسامي، يرتبط به الخلاص الجامع. لقد نقل المسيح كهنوته هذا إلى الكنيسة من خلال الروح القدس؛ وبالتالي تتحلى الكنيسة بذاتها، وفي كل عضو من أعضائها، بقوة المعمودية، بطابع كهنوتي.

ولكننا نجد هنا بعدًا مصيريًا: كهنوت يسوع المسيح لم يعد بشكل أولي كهنوتًا طقسيًا، بل وجوديًا. لا يضمحل البعد الطقسي، بل يظهر بشكل واضح في تأسيس الافخارستيا، ويحمل معنى السر الفصحي، الذي يكمل الذبائح القديمة ويتخطاها. ويولد في الوقت عينه ذبيحة جديدة، وكهنوت جديد، ومذبح جديد، ويلتقي الثلاثة في سر يسوع المسيح. باتحادها به من خلال الأسرار، تطيل الكنيسة عمل المسيح الخلاصي، وتسمح للبشر أن يشفوا من خلال الإيما، مثل الأعمى برطيماوس. وهكذا، تتلقى الجماعة الكنسية، على خطى معلمها وربها، الدعوة لتسير بخطى ثابتة في درب الخدمة، ولكي تتقاسم بالعمق مصير كل رجل وامرأة في زمانها، لكي تحمل للجميع شهادة حب الله، فتزرع بهذا الشكل الرجاء.

أيها الأصدقاء الأعزاء، إن الكنيسة تنقل رسالة الخلاص هذه وتربط دومًا بين التبشير وتعزيز الشخص البشري. فلنأخذ على سبيل المثال الرسالة العامة التاريخية "تطور الشعوب": إن ما توصل إليه خادم الله بولس السادس من باب التفكير، حققه المرسلون وما زالوا يحققونه في ميدان العمل، معززين النمو الذي يحترم الثقافات المحلية والمحيط الاجتماعي، بحسب منطق يظهر الآن، بعد 40 سنة، المنطق الوحيد الذي يستطيع أن يُخرج الشعوب الإفريقية من عبودية الجوع والأوبئة. هذا الأمر يعني نقل بشرى الرجاء انطلاقًا من "طابع كهنوتي"، أي من خلال عيش الإنجيل شخصيًا، والسعي لترجمته في مشاريع وتطبيقات متطابقة مع المبدأ الديناميكي الأساسي، الذي هو الحب.

في هذه الأسابيع الثلاثة، ثبتت الجمعية الثانية الخاصة لأجل إفريقيا من سينودس الأساقفة ما تحدث عنه سلفي المكرم البابا يوحنا بولس الثاني، والذي أردت أن أتعمق به في رسالتي العامة التي صدرت مؤخرًا "المحبة في الحقيقة": أي أنه يجب أن تجديد نموذج النمو الجامع، بشكل يستطيع أن يتضمن "كل الشعوب وليس فقط تلك التي تملك الوسائل المناسبة" (العدد 39). إن النظرة التي تبنتها الكنيسة دومًا في عقيدتها الاجتماعية بشأن الإنسان والمجتمع باتت الآن أمرًا تتطلبه العولمة أيضًا (راجع المرجع نفسه). فهذه الأخيرة، لا يجب فهمها كواقع حتمي كما ولو كانت دينامياتها وليدة عوامل مجهولة غير شخصانية ومستقلة عن الإرادة البشرية. العولمة هي واقع بشري، ومن هذا المنطلق يمكن تغيرها بحسب التركيبة الثقافية المحلية. والكنيسة تعمل انطلاقًا من مفهومها الشخصاني والجماعي لكي توجه ظاهرة العولمة من منطلق علائقي، ومنطلق أخوة وشركة (راجع المرجع نفسه، 42).

"تشجع، وانهض!...". بهذا الشكل يتوجه رب الحياة والرجاء اليوم إلى الكنيسة وإلى الشعوب الإفريقية، في ختام هذه الأسابيع من التفكير السينودسي. انهضي، أيتها الكنيسة في إفريقيا، يا عائلة الله، وأصغي لدعوة الآب السماوي الذي كان أسلافك يدعونه كالخالق، قبل أن يتعرفوا على قربه الرحيم، الذي ظهر في ابنه الوحيد، يسوع المسيح. التزمي مسيرة تبشير جديد يتحلى بالشجاعة الآتية من الروح القدس. إن العمل التبشيري الطارئ الذي جرى الكلام عنه في هذه الأيام يتطلب دعوة ملحة للمصالحة، كشرط لا بد منه لإعادة العلاقات العادلة بين البشر في إفريقيا ولبناء سلام عادل ودائم يحترم كل شخص وكل الشعوب؛ سلام يحتاج لكل ذوي الإرادة الصالحة ولإسهامهم بغض النظر عن انتمائهم الديني، العرقي، اللغوي، الثقافي والاجتماعي.

في هذه الرسالة المتطلبة، أيتها الكنيسة الحاجة في إفريقيا في الألفية الثالثة، لست وحدك. فصلاة وتضامن الكنيسة الكاثوليكية العملي هو بالقرب منك، ومن السماء يرافقك قديسو وقديسات إفريقيا، الذين شهدوا في حياتهم، وأحيانًا في شهادتهم، لأمانتهم الكاملة للمسيح.

تشجعي! انهضي أيتها القارة الإفريقية، الأرض التي قبلت مخلص العالم عندما اضطر أن يلجأ مع يوسف ومريم إلى مصر لكي ينجو بحياته من اضطهاد هيرودس الملك. اقبلي بحماسة متجددة بشرى الإنجيل لكي يستطيع وجه المسيح أن يشع ببهائه في تنوع ثقافات ولغات شعوبك.

وبينما تقدم خبز الكلمة والافخارستيا، تلتزم الكنيسة أيضًا في العمل بواسطة كل وسيلة ممكنة، لكي لا يفتقد أي إفريقي الخبز اليومي. ولهذا، معًا في عمل التبشير الطارئ، يلتزم المسيحيون عمليًا في عمل التعزيز البشري.

أيها الآباء السينودسيون الأعزاء، في ختام تأملاتي هذه، أود أن أوجه إليكم تحيتي القلبية، معبرًا عن شكري لأجل اشتراككم البناء. بعودتكم إلى بيوتكم، يا رعاة كنيسة إفريقيا، احملوا بركتي إلى جماعاتكم. احملوا إلى الجميع النداء الذي تردد صداه غالبًا في السينودس: نداء المصالحة، العدالة والسلام. وبينما تختتم جمعية السينودس لا يمكنني إلا أن أجدد عرفاني الحي لأمين السر العام لسينودس الأساقفة ولكل معاونيه. أعبر عن عرفان صادق لجوقات الجماعة النيجيرية في روما وفي الإكليريكية الأثيوبية، الذين يسهمون في إحياء هذه الليتورجية. وأخيرًا أود أن أشكر من رافق الأعمال السينودسية بصلاتهم. فلتكافئ العذراء مريم الجميع، ولتنل للكنيسة في إفريقيا أن تنمي في كل أنحاء هذه القارة الكبرى، وتنشر في كل مكان "ملح" و "نور" الإنجيل.

* * *

نقله من الإيطالية إلى العربية روبير شعيب – وكالة زينيت العالمية (Zenit.org)

حقوق الطبع محفوظة لمكتبة النشر الفاتيكانية – 2009.

 

عودة الى أعلى الصفحة